عمر السهروردي

492

عوارف المعارف

فكيف يسوغ لغيره الخوض فيه والإشارة إليه ، لا جرم لما تقاضت الأنفس الإنسانية المتطالعة إلى الفضول المتشوفة إلى المعقول ، المتحركة بوضعها بالسكون فيه ، والمنسورة بحرصها إلى كل تحقيق وكل تمويه . وأطلقت عنان النظر في مسارح الفكر ، وخاضت غمرات معرفة ماهية الروح ، تاهت في التيه ، وتنوعت أراؤها فيه ، ولم يوجد الاختلاف بين أرباب النقل والعقل في شئ كالاختلاف في ماهية الروح . ولو لزمت النفوس حدها ، معترفة بعجزها ، كان ذلك أجدر بها وأولى . فأما أقاويل من ليس متمسكا بالشرائع ، فتنزه الكتاب عن ذكرها ، لأنها أقوال أبرزتها العقول التي ضلت عن الرشاد ، وطبعت على الفساد ، ولم يصبها نور الاهتداء ، ببركة متابعة الأنبياء ، فهم كما قال اللّه تعالى : كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً « 1 » . وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ « 2 » فلما حجبوا عن الأنبياء لم يسمعوا ، وحيث لم يسمعوا لم يهتدوا ، فأصروا على الجالات ، وحجبوا بالمعقول عن المأمول . والعقل حجة اللّه تعالى يهدى به قوما ويضل به قوما آخرين ، فلم تنقل أقوالهم في الروح واختلافهم فيه . وأما المستمسكون بالشرائع ، الذين تكلموا في الروح ، فقوم منهم بطريق الاستدلال والنظر ، وقوم منهم بلسان الذوق والوجد لا باستعمال الفكر ، حتى تكلم في ذلك مشايخ الصوفية أيضا ، وكان الأولى الإمساك عن ذلك ، والتأدب بأدب النبي عليه السلام . وقد قال الجنيد : الروح شئ استأثر اللّه بعلمه ، ولا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود .

--> ( 1 ) سورة الكهف : آية رقم : 101 . ( 2 ) سورة فصلت : الآية 5 .